بحث مدونة التغيير الحضارى

الأحد، 16 أكتوبر 2011

البداية الصحيحة .. كيف ننتهى إلى نقطة البداية؟ ج1

إننا نريد أن نبدأ .. ولكن من أين ؟

حضرتُ منذ عدة سنوات - أى فى ظل نظام مبارك - مؤتمراً نظمته محافظة أسيوط , حضره ممثلون عن وزارة التنمية الإدارية , وزارة الإستثمار , والصندوق الإجتماعى للتنمية , ومركز تحديث الصناعة , وجمعية المستثمرين بأسيوط , بالإضافة إلى عددٍ من رجال الأعمال بالمحافظة.


شىءٌ رائع - أو هكذا يُمكن أن تظن - أن تجتمع هذه النخبة فى مكانٍ واحدٍ , فى وقتٍ واحدٍ من أجل بحث المشكلات الإقتصادية وما تفرزه من مشكلاتٍ إجتماعيةٍ خطيرة , وهو ما تعانى مصر منها بشدة , وهو ذات ما تعانيه بقية دولنا العربية , حتى الغنية منها , ولكن بنسبٍ متفاوتة.

أتدرون كيف دار الحديث ؟

إنصبَّ " كلام " المسؤولين والضيوف على أهمية التصنيع والإنتاج , وقد تمحور الحديث " حول ضرورة تدريب الشباب على التصنيع والإنتاج لتأهيلهم للعمل فى تلك المصانع التى ستقوم بالإنتاج أو غيرها , وأخيراً العمل بكل الطرق على فتح الأسواقٍ الخارجية أمام البضائع المصرية لاستيعاب تلك المنتجات , وإلا فأين سنذهب بها ؟

وقد كان ذلك - من وجهة نظرهم - هو السبيل الوحيد لحل كل مشاكلنا الإقتصادية والإجتماعية , وعلى رأسها مشكلة البطالة.

وقد اكتشفت حينها - مع الأسف - أنه الفكر السائد - مع الأسف الشديد - لدى معظم المسؤولين العرب .. إنه فِكْر " إنتج أولاً .. ثم ابحث عن طرق تصريف الإنتاج " .. عجيبٌ هذا الإصرار على استخدام ذات الأسلوب .. رغم أنهم قد قتلوا الأمر بحثاً وممارسة , ولم يحرزوا أى تقدمٍ يُذكر على مدار سنواتٍ طويلة.

والحال مستمرٌ - كما تعرفون - على ما هو عليه لسنواتٍ طويلةٍ دون تحقيق أى تقدمٍ يُذكر على الصعيد الصناعى ومعه بالتالى الإقتصادى والإجتماعى , حلقةٌ مُفرغةٌ داروا فيها وأدارونا معهم حتى أصابنا الدوار , فلم نعد نتوقف - ولو للحظاتٍ نحن فى أمَسِّ الحاجة إليها - من أجل أن نفيق للتفكر فى أسلوبٍ جديدٍ يخرج بنا وبهم من أزماتٍ طحنت الأمة وأبناءها.

وأتساءل هنا ..

ألا يوجد من بين هؤلاء المسؤولين رجلٌ ذو بصيرةٍ ينظر فى تجارب دولٍ متقدمة كانت خلفنا حتى الأمس القريب ؟

ألم تشتعل لدى أحدهم الحماسة أو الشعور بالغيرة على الوطن وهم يتابعون تقدم تلك الدول , حتى صارت من أعظم الدول الصناعية فى العالم فى زمنٍ قياسى فى الوقت الذى تتراجع فيه أمتهم ؟

ألم يسمعوا عن المعجزات البشرية .. كيف تبدأ فى اليابان فى سباقٍ مثيرٍ مع ألمانيا ثم تنتقل إلى كوريا حتى استقرت فى ماليزيا ؟

ألم يحاولوا حتى معرفة أسرار النهضة الإقتصادية القياسية السريعة التى حققتها كلٌ من تركيا والبرازيل فى الأعوام القليلة الماضية ؟

ألم يلحظوا ذلك الإنتشار التسويقى الصينى الرهيب , وكيف ترسل الصين مندوبيها وكيف يتفانى دبلوماسيها - حباً للوطن - فى جمع كل المعلومات الممكنة عن الأسواق التى تريد بلادهم أن تغزوها ببضائعها وخدماتها ؟

لا شك عندى , أنه بجانب عدم كفاءة الكثيرين من أولئك المسؤولين , فإن منهم من يتعمد فعل ذلك , ببساطة لأنه يخون وطنه وأمته لصالح نفسه أو لصالح أصحاب المصالح , وهو المؤهل الرئيس - وربما الوحيد - الذى تم اختياره على أساسه ليكون مسؤولاً.

وأما عن البداية الصحيحة لتحقيق النهضة الإقتصادية المنشودة - ومعها الإجتماعية بالتبعية - فتعالوا نتتبع الأمر بطريقة التسلسل العكسى " - علَّنا نهتدى إلى البداية الصحيحة - كالأتى :

بالقضاء على البطالة ..

* وهى هدفٌ لن يتحقق إلا عن طريق تشغيل العاطلين ..

* ويكون ذلك بتوفير فرص عمل تستوعبهم ..

ومجالات الصناعة - بكل تنوعها - هى أكبر تلك المجالات التى يمكن أن تستوعب معظمهم .. إن لم يكن جميعهم ..

ولكى يستوعبهم مجال الصناعة , فلا بد أن يسير فى ثلاث اتجاهات متوازية :

أ- إتجاه زيادة القدرة الإنتاجية للمصانع القائمة لإيجاد فرص عمل جديدة.
ب- إتجاه إقامة مصانع جديدة تستوعب أكبر عددٍ ممكن من العاطلين.
ج- إتجاه توجيه أكبر عددٍ من العاطلين وتوفير المناخ الضرورى للبدء فى أعمال إنتاجية خاصة بهم وتتوافق مع مهاراتهم وإمكاناتهم.

* ويمكن تقسيم هذه الصناعات من حيث طبيعتها إلى عدة محاور :

صناعات تعدينية ( تقوم على استخراج المعادن والموارد الطبيعية من باطن الأرض , أى أنها مبنية على موارد غير متجددة ).

صناعات تحويلية ( تقوم على تحويل الخامات والمواد الأولية إلى منتجات نهائية أو منتجات وسيطة ).
صناعات تكميلية ( تقوم على اضافة مكونات أو ادخال تعديلات على بعض المنتجات الوسيطة وتحويلها إلى منتجات نهائية ).
وتشمل العديد من المجالات الصناعية الواسعة والمتنوعة.

* وهذه الصناعات بالطبع تتطلب الأيدى العاملة الماهرة .. لذا فإن التدريب على اكتساب المهارات الفنية و الإدارية و معايير الجودة هو الذى يسبق , ويتم ذلك بأحد الطرق الآتية :

- أن تتولى الدولة عملية تدريب وتوزيع وتشغيل العمالة.
الجهات والمنظمات الدولية والمحلية المانحة التى تعمل فى مجال التدريب.
شركات القطاع الخاص التى تشارك فى هذا المجال فى إطار مسؤوليتها الإجتماعية تجاه البلد الذى تتواجد فيه.
مبادرات من أصحاب الأعمال لتدريب العاملين لديهم وتطوير مهاراتهم , وتأهيل من تريدهم للعمل لديها أو من يرغبون فى العمل بشكلٍ مستقل .. ولكن لحسابها.
- التدريب الذاتى النابع من اهتمام البعض بتطوير مهاراتهم وامكاناتهم وحرصهم على الارتقاء بأنفسهم.

وحيث أنه قد ثبت بالتجربة العملية والعلمية أن الدولة لا تستطيع القيام بكل شىء , وبالتالى لا تستطيع ( وحدها ) التعامل مع قضايا الفقر ومكافحة البطالة وما يترتب عليهما من آثار , وأنه ينبغى للدول التى ترغب فى التقدم وتسعى إليه أن توجد نوعاً من الشراكة المجتمعية .. فإن هذا الشراكة الحتمية تتطلب عدداً من الأمور .. سنكمل الحديث عنها فى الجزء الثانى إن شاء الله.

هناك 6 تعليقات:

  1. أمتك فى حاجةٍ إليك
    فلا تبخل على نفسك بدورٍ فى نهضتها

    ****محمد نبيل شكرا على الفكر القويم و التوجّه الرشيد

    تحياتي و اعجابي بطيّب المجهود

    لك متابعتي


    ***

    اشكر حضورك الفاعل في الزمن الجميل و تعليقك وصل

    تحياتي


    منجي باكير

    ردحذف
  2. أخى الكريم منجى ..

    يسعدنى أن تكون أول المتابعين لهذه المدونة التى أتمنى على الله أن يجعلها فى خدمة قضية إعادة بناء الحضارة الإسلامية , ويشرفنى أن تثريها بآرائك وأفكارك المتميزة.

    جزاك الله خيراً.

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    احب اهنيك على مدونتك وافكارك المبدعة
    وكنت اتمني ان اكون اول المعلقين
    موضوع رائع وثمين واتمني فى السنوات المقبلة تحقيقه
    لانه يوجد الكثيرين مثلك من يحبون البلد ويسعون فيها للانجاز للتقدم والرقى فقد علمت عن طريق الصدفة انه من سنوات طالبت الحكومة رجال الاعمال المصريين بالخارج ان يستثمروا اموالهم في مصر وفعلاً بعضهم صفي اعماله ورجع بلده مصر ولكن للاسف خسروا وقتهم واموالهم وشرد بعضهم بسبب التباطئ في الاجراءات وقوانين مدعية لتعطيل اي مشروع اتمني ان يتولي في الفترة القادمة اناس يخشون الله ورسوله لان بصراحة كثيرين منا يتمنون التغيير الحقيقي لا المزيف والله المستعان
    مع تمنياتي بالتوفيق دائماً
    وان شاء الله متابعة

    تقبل مرورى

    زهرة

    ردحذف
  4. أعتقد أختى زهرة أن تحديد وتجديد مسار المرحلة القادمة يتوقف على ثلاثة أشياء :

    الأول :هو ما يمكننا أن نقدمه نحن كأفراد وكمؤسسات مجتمع مدنى فى صورة أعمال جماعية مبتكرة تقود إلى ..

    الأمر الثانى : وهو إجبار حكوماتنا على تبنى نفس المسار الذى اخترناه لأنفسنا ..

    حيث أن الفترة القادمة تتميز بأن الشعب هو الذى يحكم , والحكام هم المسؤولين عن تنفيذ أحلام الشعوب وتحقيق طموحاتها ..

    وهذا بدوره يتوقف على ..

    الأمر الثالث : وهو مدى وعينا - كشعوب - وقدرتنا على الاختيار السليم والمناسب لمن يمثلنا أو يحكمنا , ويكونوا على قدر المسؤولية فى تحقيق آمالنا وأحلامنا.

    سعدتُ كثيراً بزيارتك وبتعليقك المتميز ..

    وجزاك الله خيراً على وعيك واهتمامك ومتابعتك.

    ردحذف
  5. موضوع مهم جدا، خاصة وأن تخلفنا كأمة واحدة جاء من الجانب التكنولوجي (التصنيع) والاقتصاد كذلك.
    مثل هذه المؤثمات لها أثر إيجابي في تبادل الافكار والخبرات...

    لك التحية أخي محمد

    ردحذف
    الردود
    1. معذرةً لتأخرى فى الرد على تعليقك أخى أبو حسام ..

      فقد كان للأحداث المتلاحقة والمؤسفة التى نمر بها فى مصر منذ بداية الثورة .. كان لها دورٌ فى تقصيرى تجاه هذه المدونة الهامة ..

      والتى لن ننهض كأمة إلا بمثل هذه الأفكار والمشروعات التى تنتقل بأحلامنا الجميلة إلى عالم الواقع الأكثر جمالاً.

      حذف

أُمَّتك فى أشد الحاجة إليك ..
فلا تبخل على نفسك بدورٍ فى نهضتها